الغزالي
43
إحياء علوم الدين
وأما قول القائل إنه لم يتحقق موته على الحل في ساعة ، فيكون شكا في السبب ، فليس كذلك . في السبب قد تحقق ، إذ الجرح سبب الموت ، فطريان الغير شك فيه . ويدل على صححه هذا الإجماع على أن من جرح وغاب ، فوجد ميتا ، فيجب القصاص على جارحه بل إن لم يغب يحتمل أن يكون موته بهيجان خلط في باطنه ، كما يموت الإنسان فجأة . فينبغي أن لا يجب القصاص إلا بحز الرقبة ، والجرح المذفف . لأن العلل القاتلة في الباطن لا تؤمن ، ولأجلها يموت الصحيح فجأة ، ولا قائل بذلك ، مع أن القصاص مبناه على الشبهة وكذلك جنين المذكاة حلال . ولعله مات قبل ذبح الأصل ، لا بسبب ذبحه ، أو لم ينفخ فيه الروح . وغرة الجنين تجب ، ولعل الروح لم ينفخ فيه ، أو كان قد مات قبل الجناية بسبب آخر . ولكن يبنى على الأسباب الظاهرة . فان الاحتمال الآخر ، إذا لم يستند إلى دلالة تدل عليه ، التحقق بالوهم والوسواس كما ذكرناه . فكذلك هذا وأما قوله صلَّى الله عليه وسلم « أخاف أن يكون إنّما أمسك على نفسه » فللشافعي رحمه الله في هذه الصورة قولان ، والذي نختاره الحكم بالتحريم ، لأن السبب قد تعارض . إذ الكلب المعلم كالآلة والوكيل ، يمسك على صاحبه فيحل . ولو استرسل المعلم بنفسه فأخذ لم يحل . لأنه يتصور منه أن يصطاد لنفسه . ومهما انبعث بإشارته ، ثم أكل ، دل ابتداء انبعاثه على أنه نازل منزلة آلته ، وأنه يسعى في وكالته ونيابته ، ودل أكله آخرا على أنه أمسك لنفسه لا لصاحبه . فقد تعارض السبب الدال ، فيتعارض الاحتمال ، والأصل التحريم فيستصحب ، ولا يزال بالشك . وهو كما لو وكل رجلا بأن يشترى له جارية ، فاشترى جارية ، ومات قبل أن يبين أنه اشتراها لنفسه أو لموكله ، لم يحل للموكل وطؤها . لأن للوكيل قدرة على الشراء لنفسه ولموكله جميعا . ولا دليل مرجح ، والأصل التحريم ، فهذا يلتحق بالقسم الأول لا بالقسم الثالث القسم الرابع : أن يكون الحل معلوما ، ولكن يغلب على الظن طريان محرم ، بسبب معتبر في غلبة الظن شرعا . فيرفع الاستصحاب ، ويقضى بالتحريم . إذ بان لنا أن الاستصحاب ضعيف ولا يبقى له حكم مع غالب الظن ومثاله أن يؤدى اجتهاده إلى نجاسة أحد الإناءين ، بالاعتماد على علامة معينة توجب غلبة